(المنطق الأفول) قراءة في ( القبر المجهول).
في رواية ( القبر المجهول ) للأديب الموريتاني ( أحمدو ولد عبد القادر ) التي تروي قصة قبر يظهر في ظروف غامضة في
صحاري قريبة من سكان ( الرقيطة ) فصاروا يقدسونه بالتبتل عنده ؛ ويهدون إليه ( الأخشاب ) التي جعلته يعظم فيما بعد في أعين زواره ، متوسعة في بناء أحداثها لفك لغزه الذي-لربما-عرض للقارئ ! .. تعطي هذه الرواية أنموذجا حيا من الحياة الإجتماعية على هذه الرقعة خلال قرون مضت فتبين التسلسل الإجتماعي الذي تخضع له ، فعلى الهرم أصحاب الشوكة ( العربان ) الحسانيون ( حي أولاد اسويلم ) ثم يليهم رجال الدين بالنسخة المنكبية ( الزوايا ) وهم بنو ( حي أولاد عبد الرحمن ) ثم تأتي فئة الكادحين في السلم التحتي ممثلة في إحداها وهم ( الزناقة ) الذين يرتعون في ( حي أولاد احميدان ) (( -* هذه هي الفئات التي تتحدر منها شخوص الرواية الرئيسية ؛ وهناك شخوص ثانوية تتحدر من أخرى من نوعين فالأول الفئات التي لاترقى لمستوى الإنفصال،بل تعشش في مراتع التبعية وهذا الصنف يمثله ( إكاون ) و ( العبيد ) الذين كانوا منصهرين تحت يافطة ( الحسانيين ) والثاني الذي يتميز-زيادة على عزلته-بوحشة تحد من احتكاكه بتلك التشكلة الإجتماعية ومثله الصيادون ( النمادي ) .. *-)) ؛ وفي ملامح الرواية الأولى يبدو جليا كون هذه التراكيب مترابطة بعلاقة ( براغماتية )إلى أبعد حد بل إنتهازية في أحيان كثيرة خاصة بالنسبة للهامشيين ؛ فـ(حي أولاد احميدان) الذين يغدقون بالماشية بفضل تفرغهم لها دون غيرها لم ينفكوا يضايقون فيها من غير إبداء التذمر-علنا على الأقل- تجاه ذلك فلـ(حي أولاد اسويلم) نصيب من تلك الثروة بوازع الحماية التي يتكفلون لهم بها؛ كما لـ(أولاد عبد الرحمن) نصيب بحكم النفوذ الروحي ؛فكانوا بذلك رغم الإستقلالية التي يحظون بها يتخبطون في تبعية غير مباشرة؛ و( حي اولاد عبد الرحمن ) بدورهم كانوا يخضعون نسبيا للتبجح بالحماية الحسانية التي يقوم بها ( أولاد اسويلم ) مقابل ( لحجاب ) الذي يستقلون به كأصحاب صحف وأسفار ! ؛
وتشتد حاجة هذه الكتلة الإجتماعية لشد أطراف هذا ( العقد الإجتماعي ) في واقعة ( البيسوس ) التي تشكلت شراراتها الأولى خارج إطار الرواية ( مكانيا وزمانيا ) بل كانت نزعة الثأر-فقط-هي التي انداح امتدادها في أحداث الرواية ؛ هذه الواقعة التي يخوضها الحسانيون مقابل بعضهم فبجانب ( حي أولاد اعميرة ) وحلفائهم ؛ وبالجانب الموازي ( حي أولاد اسويلم ) مع حلفائهم الذين شمروا عن ساعد جدهم في تطبيق بنود هذا ( العقد ) إذ خلال هذه الحرب الضروس التي تبلبل مسارها مرات ومرات بتقلب استراتجياتها ونتائجها -سلبا وإيجابا- على الطرفين شكل تعاقب قياداتها في غير ما مرة إحتدام الصراع مخلفا هوة في نفوس ( العربان ) في ( حي أولاد اسويلم ) سعوا لسدها باستنزاف خيرات الحلفاء وبالذات ( الزناقة ) في ( حي أولاد احميدان ) فـ ( أولاد عبد الرحمن ) لما لهم من وظائف مغايرة كان استنزافهم نسبيا جدا؛ فقد كانوا يتولون مراسم الجنازات فردية وجماعية و يترنمون بترياقهم المقابل لحدة السيف ( لحجاب ) ! وانكفأت ( البيسوس ) -بفعل مكر مدبر على يد قائد الفريق الموازي- لصالح ( حي أولاد اعميرة ) بعد أن قضى قائد ( أولاد اسويلم ) الأخير-بتعرضه لذلك المكر- نحبه في فيافي ( الرقيطة )؛ فكانت وساوس التضييق المتواصل الذي بدأه العربان الأصليون ( اولاد اسويلم ) تراود رجال حي ( أولاد احميدان ) الذين بدوا متيقنين من أن العربان الجدد سيواصلون المسيرة الإستنزافية هذه ضدهم بموجب أنهم حلفاء الأعداء الألداء ( أولاد اسويلم ) فلم تنفك الحرب تتهادى للنهاية المحققة حتى بادر هؤلاء ( الزناقة ) في استغلال الفرح العارم الذي أغرى ( اولاد اعميرة ) والنواح الذي عمت به البلوى في حي ( أولاد اسويلم ) لتنفيذ خطة تقلب الموازين في أحداث الرواية وتسبح ضد التيار ؛ تقضي تلك الخطة بضم أسلحة-علموا من رجل منهم مكانها- إلى بنادق معدودة كانوا يصيدون بها وشن غارة على حي الغانمين ( أولاد اعميرة ) فجر يوم من أيام النصر تلك؛ فخارت قوى المنتصرين الذين تفاجئوا بغارة أيا تكن أحرى أن تكون من رجال ( أولاد احميدان ) ( الزناقة ) العزل ! ؛ ومع ذلك لم يكونوا وحدهم في هذا الإستغراب حتى الزوايا في حي ( أولاد عبد الرحمن ) وقفوا مشدوهين لذلك؛ بل وحتى الزناقة من ( اهل احميدان ) جابهوا تلك المبادرة التي تنسيهم أصلهم؛ فلم يحفلوا بها بادئ الأمر مستنكفين عنها ؛ إنما كان لـ( ديلول ) المحنك الذي لم يأت اسمه- المستعار هذا- عبثا باع في بث روح العزيمة واستعطاف رجاله الذين يعبدون الإبل على حد تعبير ( العربان ) بأن مبادرة كهذه هي المثلى للحفاظ على تلك الثروة!! ثم قضى الأمر وحسمه بأن قطع ألسنة الخانعين بالنبذ إن لم ينصاعوا ؛ كان يجد المقام حريا بحسم كحسم الحسانيين ، بلغ بـ ( الزناقة ) من النفوذ ما لم يبق معه رادع فلم يتركوا ( العربان ) -المنتصرين منهم والمنهزمين- يهنؤون فكانوا يطاردونهم حتى آخر رمق وكانوا يحرصون على أن لايبقى في الأحياء الحسانية من يقدر على حمل السلاح! وأضفى حنقهم الذي جعلهم يقدمون على كل ذلك إنعدام تفكير إلا بمنطق ( القوة والنفوذ ) فقد عزم ( جابر ) الزعيم الجديد- ( ديلول سابقا ) الذي أرجعت له السلطة إسمه الأصلي بعد طول غربة من التهكم والغمز.!- على تقتيل كل من فوق العاشرة من ( بني اسويلم ) فظهر هنالك الوجه المضيئ السميح لـ(الزوايا) الذين يحرصون دائما على إفشاء السلام ؛بتدخل إحداهن وهي إبنة سيد حي ( أولاد عبد الرحمن ) وزوجة سيد ( أولاد اسويلم )-سابقا-وأرملته الآن ؛ متشفعة عنده ألا يفعل وستصير أمة عنده ، فقبل ليراوغ بعد ذلك بطلب الزواج منها ؛ وهو شيء لاتقضي به العادة كزواجها من السيد قبله؛ ولكنهما حدثا وهذا الأخير كان زواجا حقنت به تلك السيدة دماء أهلها !
لم يعد هنالك ( ازناقة ) و ( العربان ) مسخوا وانصهروا في ( الزوايا ) بثوب جديد فصاروا ( التياب ) متتلمذين على شيخ أقام ( محظرته ) بين الحيين وانشغل ( الزناقة ) ( العربان الجدد ) بتوسيع نطاق نفوذهم؛وانتبذوا موضع التضييق على الجميع بما فيهم ( النمادي ) المسالمين ، كانوا يلعبون على أرضية خصبة بمنطق الجماعات القاضي بجلوس الطبقات الدنيا من الشعب على منصة الحكم؛ وإرجاع الشعب للهمجية على حد تعبير ( غوستاف ) ؛ لم تكن ( إنتفاضة )- إنتقاء دلالي من أحسن ما يكون- ضد مرارة ظلم ودونية طويلي أمد فحسب بل ضد ( سرديات ) أكل الدهر عليها وشرب؛ تفضي في نفوس أولئك العزل التخوف من الإستقلالية بالسلاح ، فهم إما ( تحت كتاب أو ركاب ) أو ( لا يحملون السلاح إلا لصيد الغزلان ) ! .. صار ذلك كله في نظر أولئك العربان الجدد؛ ( منطقا أفولا ) لاحياة كريمة معه بل الحل في تلك ( الإنتفاضة ) التي أتت البنيان من القواعد معيدة أشكلته جذريا!!
على مشارف ( الرواية ) دار حوار شكل فرجة لحل اللغز بين ( سلامي ولد الهادي ) الشيخ الزاوي صاحب المحظرة ؛ وبين نمداوية تعارفا حالما ترائيا ! إنها الزاوية ( ميمونة ) بنت عمه التي تزوجها قبل عشر سنين وغاب عنها في ترحاله الطويل فولدت في ظروف مشبوهة ذلك الوليد الذي لم يرحمه محيطه ولم يرحم أمه قبله ، فاختفت به في تلك الفيافي في أيام سموم حارقة ( ردم النجوم ) فمات من عطشه وكادت هي لولا أن تداركها اللطف الخفي ؛فهاهو ذا ذلك الوليد ؛ إنه هو صاحب ( القبر المجهول ) ؛ لم تحفل ( ميمونة ) بوعود ناكث الوعود كما وصفته وقالت إنها لن تعود معه ؛ فهي الآن متزوجة من ( شكار ) الحساني الذي صار نمداويا هو الآخر ! ولته الدبر هي وكلبها المرافق الذي حال بينه معها-بعدما فكر بإرغامها على المضي معه- إذ كان يرى أنها لاتزال زوجته .. ! فجلس يحوقل ويسبحل ويتذكر ويعتبر ويتفكر على طريقته الدينية؛ تقلبات الحياة ودورانها الذي لايثبت حينا من الدهر .. ( ميمونة ) وأختها ( الزهرة ) سليلتا بيت ( الزوايا ) صارتا زوجتين لسيد ( الزناقة ) و ( الحساني ) المتنكر ...!
هذه ( الرواية )-في مجملها- تأريخ إجتماعي يوغل بك في استكناه أطوار هذا المجتمع البدوي المترحل الذي توحده الأرض مرتعا وكلأ والمصالح أخذا وردا ويسبر بك مناحي حياته بأدق تفاصيلها فيجوب بك معمعان أخلاقياته ومعاملاته ، ترحه وفرحة توحده وخلافة خصاله ومثالبه عواطفه واندفاعاته رويته وتهوره ؛ إستبشاره بعطاء السماء وترحاله حين ضنى الأرض ، كل بقعة تدب فيها حياة تدوسها خلال هذه ( الرواية ) كل ذلك بلغة منسابة في التسلسل قريبة المأخذ لاتعقيد بها .. تجتث المعاني العميقة من أغوار الذهن البعيدة ! مكللة بمعاني ضرورة ( التحرر ) من أدران ( السرديات ) المخلة بالنظم ( الأخلاقية ) التي تبعث على الإطمئنان ( الروحي ) قبل البدني ؛ وكسر ( المنطقيات ) التي-وإ طالت سيطرتها-فهي -مع ذلك- إلى ( أفول ) ..!
في رواية ( القبر المجهول ) للأديب الموريتاني ( أحمدو ولد عبد القادر ) التي تروي قصة قبر يظهر في ظروف غامضة في
صحاري قريبة من سكان ( الرقيطة ) فصاروا يقدسونه بالتبتل عنده ؛ ويهدون إليه ( الأخشاب ) التي جعلته يعظم فيما بعد في أعين زواره ، متوسعة في بناء أحداثها لفك لغزه الذي-لربما-عرض للقارئ ! .. تعطي هذه الرواية أنموذجا حيا من الحياة الإجتماعية على هذه الرقعة خلال قرون مضت فتبين التسلسل الإجتماعي الذي تخضع له ، فعلى الهرم أصحاب الشوكة ( العربان ) الحسانيون ( حي أولاد اسويلم ) ثم يليهم رجال الدين بالنسخة المنكبية ( الزوايا ) وهم بنو ( حي أولاد عبد الرحمن ) ثم تأتي فئة الكادحين في السلم التحتي ممثلة في إحداها وهم ( الزناقة ) الذين يرتعون في ( حي أولاد احميدان ) (( -* هذه هي الفئات التي تتحدر منها شخوص الرواية الرئيسية ؛ وهناك شخوص ثانوية تتحدر من أخرى من نوعين فالأول الفئات التي لاترقى لمستوى الإنفصال،بل تعشش في مراتع التبعية وهذا الصنف يمثله ( إكاون ) و ( العبيد ) الذين كانوا منصهرين تحت يافطة ( الحسانيين ) والثاني الذي يتميز-زيادة على عزلته-بوحشة تحد من احتكاكه بتلك التشكلة الإجتماعية ومثله الصيادون ( النمادي ) .. *-)) ؛ وفي ملامح الرواية الأولى يبدو جليا كون هذه التراكيب مترابطة بعلاقة ( براغماتية )إلى أبعد حد بل إنتهازية في أحيان كثيرة خاصة بالنسبة للهامشيين ؛ فـ(حي أولاد احميدان) الذين يغدقون بالماشية بفضل تفرغهم لها دون غيرها لم ينفكوا يضايقون فيها من غير إبداء التذمر-علنا على الأقل- تجاه ذلك فلـ(حي أولاد اسويلم) نصيب من تلك الثروة بوازع الحماية التي يتكفلون لهم بها؛ كما لـ(أولاد عبد الرحمن) نصيب بحكم النفوذ الروحي ؛فكانوا بذلك رغم الإستقلالية التي يحظون بها يتخبطون في تبعية غير مباشرة؛ و( حي اولاد عبد الرحمن ) بدورهم كانوا يخضعون نسبيا للتبجح بالحماية الحسانية التي يقوم بها ( أولاد اسويلم ) مقابل ( لحجاب ) الذي يستقلون به كأصحاب صحف وأسفار ! ؛
وتشتد حاجة هذه الكتلة الإجتماعية لشد أطراف هذا ( العقد الإجتماعي ) في واقعة ( البيسوس ) التي تشكلت شراراتها الأولى خارج إطار الرواية ( مكانيا وزمانيا ) بل كانت نزعة الثأر-فقط-هي التي انداح امتدادها في أحداث الرواية ؛ هذه الواقعة التي يخوضها الحسانيون مقابل بعضهم فبجانب ( حي أولاد اعميرة ) وحلفائهم ؛ وبالجانب الموازي ( حي أولاد اسويلم ) مع حلفائهم الذين شمروا عن ساعد جدهم في تطبيق بنود هذا ( العقد ) إذ خلال هذه الحرب الضروس التي تبلبل مسارها مرات ومرات بتقلب استراتجياتها ونتائجها -سلبا وإيجابا- على الطرفين شكل تعاقب قياداتها في غير ما مرة إحتدام الصراع مخلفا هوة في نفوس ( العربان ) في ( حي أولاد اسويلم ) سعوا لسدها باستنزاف خيرات الحلفاء وبالذات ( الزناقة ) في ( حي أولاد احميدان ) فـ ( أولاد عبد الرحمن ) لما لهم من وظائف مغايرة كان استنزافهم نسبيا جدا؛ فقد كانوا يتولون مراسم الجنازات فردية وجماعية و يترنمون بترياقهم المقابل لحدة السيف ( لحجاب ) ! وانكفأت ( البيسوس ) -بفعل مكر مدبر على يد قائد الفريق الموازي- لصالح ( حي أولاد اعميرة ) بعد أن قضى قائد ( أولاد اسويلم ) الأخير-بتعرضه لذلك المكر- نحبه في فيافي ( الرقيطة )؛ فكانت وساوس التضييق المتواصل الذي بدأه العربان الأصليون ( اولاد اسويلم ) تراود رجال حي ( أولاد احميدان ) الذين بدوا متيقنين من أن العربان الجدد سيواصلون المسيرة الإستنزافية هذه ضدهم بموجب أنهم حلفاء الأعداء الألداء ( أولاد اسويلم ) فلم تنفك الحرب تتهادى للنهاية المحققة حتى بادر هؤلاء ( الزناقة ) في استغلال الفرح العارم الذي أغرى ( اولاد اعميرة ) والنواح الذي عمت به البلوى في حي ( أولاد اسويلم ) لتنفيذ خطة تقلب الموازين في أحداث الرواية وتسبح ضد التيار ؛ تقضي تلك الخطة بضم أسلحة-علموا من رجل منهم مكانها- إلى بنادق معدودة كانوا يصيدون بها وشن غارة على حي الغانمين ( أولاد اعميرة ) فجر يوم من أيام النصر تلك؛ فخارت قوى المنتصرين الذين تفاجئوا بغارة أيا تكن أحرى أن تكون من رجال ( أولاد احميدان ) ( الزناقة ) العزل ! ؛ ومع ذلك لم يكونوا وحدهم في هذا الإستغراب حتى الزوايا في حي ( أولاد عبد الرحمن ) وقفوا مشدوهين لذلك؛ بل وحتى الزناقة من ( اهل احميدان ) جابهوا تلك المبادرة التي تنسيهم أصلهم؛ فلم يحفلوا بها بادئ الأمر مستنكفين عنها ؛ إنما كان لـ( ديلول ) المحنك الذي لم يأت اسمه- المستعار هذا- عبثا باع في بث روح العزيمة واستعطاف رجاله الذين يعبدون الإبل على حد تعبير ( العربان ) بأن مبادرة كهذه هي المثلى للحفاظ على تلك الثروة!! ثم قضى الأمر وحسمه بأن قطع ألسنة الخانعين بالنبذ إن لم ينصاعوا ؛ كان يجد المقام حريا بحسم كحسم الحسانيين ، بلغ بـ ( الزناقة ) من النفوذ ما لم يبق معه رادع فلم يتركوا ( العربان ) -المنتصرين منهم والمنهزمين- يهنؤون فكانوا يطاردونهم حتى آخر رمق وكانوا يحرصون على أن لايبقى في الأحياء الحسانية من يقدر على حمل السلاح! وأضفى حنقهم الذي جعلهم يقدمون على كل ذلك إنعدام تفكير إلا بمنطق ( القوة والنفوذ ) فقد عزم ( جابر ) الزعيم الجديد- ( ديلول سابقا ) الذي أرجعت له السلطة إسمه الأصلي بعد طول غربة من التهكم والغمز.!- على تقتيل كل من فوق العاشرة من ( بني اسويلم ) فظهر هنالك الوجه المضيئ السميح لـ(الزوايا) الذين يحرصون دائما على إفشاء السلام ؛بتدخل إحداهن وهي إبنة سيد حي ( أولاد عبد الرحمن ) وزوجة سيد ( أولاد اسويلم )-سابقا-وأرملته الآن ؛ متشفعة عنده ألا يفعل وستصير أمة عنده ، فقبل ليراوغ بعد ذلك بطلب الزواج منها ؛ وهو شيء لاتقضي به العادة كزواجها من السيد قبله؛ ولكنهما حدثا وهذا الأخير كان زواجا حقنت به تلك السيدة دماء أهلها !
لم يعد هنالك ( ازناقة ) و ( العربان ) مسخوا وانصهروا في ( الزوايا ) بثوب جديد فصاروا ( التياب ) متتلمذين على شيخ أقام ( محظرته ) بين الحيين وانشغل ( الزناقة ) ( العربان الجدد ) بتوسيع نطاق نفوذهم؛وانتبذوا موضع التضييق على الجميع بما فيهم ( النمادي ) المسالمين ، كانوا يلعبون على أرضية خصبة بمنطق الجماعات القاضي بجلوس الطبقات الدنيا من الشعب على منصة الحكم؛ وإرجاع الشعب للهمجية على حد تعبير ( غوستاف ) ؛ لم تكن ( إنتفاضة )- إنتقاء دلالي من أحسن ما يكون- ضد مرارة ظلم ودونية طويلي أمد فحسب بل ضد ( سرديات ) أكل الدهر عليها وشرب؛ تفضي في نفوس أولئك العزل التخوف من الإستقلالية بالسلاح ، فهم إما ( تحت كتاب أو ركاب ) أو ( لا يحملون السلاح إلا لصيد الغزلان ) ! .. صار ذلك كله في نظر أولئك العربان الجدد؛ ( منطقا أفولا ) لاحياة كريمة معه بل الحل في تلك ( الإنتفاضة ) التي أتت البنيان من القواعد معيدة أشكلته جذريا!!
على مشارف ( الرواية ) دار حوار شكل فرجة لحل اللغز بين ( سلامي ولد الهادي ) الشيخ الزاوي صاحب المحظرة ؛ وبين نمداوية تعارفا حالما ترائيا ! إنها الزاوية ( ميمونة ) بنت عمه التي تزوجها قبل عشر سنين وغاب عنها في ترحاله الطويل فولدت في ظروف مشبوهة ذلك الوليد الذي لم يرحمه محيطه ولم يرحم أمه قبله ، فاختفت به في تلك الفيافي في أيام سموم حارقة ( ردم النجوم ) فمات من عطشه وكادت هي لولا أن تداركها اللطف الخفي ؛فهاهو ذا ذلك الوليد ؛ إنه هو صاحب ( القبر المجهول ) ؛ لم تحفل ( ميمونة ) بوعود ناكث الوعود كما وصفته وقالت إنها لن تعود معه ؛ فهي الآن متزوجة من ( شكار ) الحساني الذي صار نمداويا هو الآخر ! ولته الدبر هي وكلبها المرافق الذي حال بينه معها-بعدما فكر بإرغامها على المضي معه- إذ كان يرى أنها لاتزال زوجته .. ! فجلس يحوقل ويسبحل ويتذكر ويعتبر ويتفكر على طريقته الدينية؛ تقلبات الحياة ودورانها الذي لايثبت حينا من الدهر .. ( ميمونة ) وأختها ( الزهرة ) سليلتا بيت ( الزوايا ) صارتا زوجتين لسيد ( الزناقة ) و ( الحساني ) المتنكر ...!
هذه ( الرواية )-في مجملها- تأريخ إجتماعي يوغل بك في استكناه أطوار هذا المجتمع البدوي المترحل الذي توحده الأرض مرتعا وكلأ والمصالح أخذا وردا ويسبر بك مناحي حياته بأدق تفاصيلها فيجوب بك معمعان أخلاقياته ومعاملاته ، ترحه وفرحة توحده وخلافة خصاله ومثالبه عواطفه واندفاعاته رويته وتهوره ؛ إستبشاره بعطاء السماء وترحاله حين ضنى الأرض ، كل بقعة تدب فيها حياة تدوسها خلال هذه ( الرواية ) كل ذلك بلغة منسابة في التسلسل قريبة المأخذ لاتعقيد بها .. تجتث المعاني العميقة من أغوار الذهن البعيدة ! مكللة بمعاني ضرورة ( التحرر ) من أدران ( السرديات ) المخلة بالنظم ( الأخلاقية ) التي تبعث على الإطمئنان ( الروحي ) قبل البدني ؛ وكسر ( المنطقيات ) التي-وإ طالت سيطرتها-فهي -مع ذلك- إلى ( أفول ) ..!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق